الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

شرح نصّ (الحكمة الاعتدال) محمود المسعدي: 2007-2008


معهد "نهج صيّادة"
شرح نصّ: الحكمة الاعتدال، محمود المسعدي
أستاذة العربـيّة
الورديّة
4 آداب2007 - 2008
فوزيّة الشّـطّي
          الموضوع: 
يخوض أبو هريْرةَ بشكل غير مباشر تجربةَ العقل خوضا فاشلا.
       الأقسام:
1-              من البداية إلى «قاصُّها عليك»: الطّلبُ.
2-              من «جئتُ هذا» إلى «أنتَ مجنون»: الاستجابةُ.
3-              البقيّة: النّتيجةُ.
الشّرحُ:
    القسمُ 1: الطّلبُ:
- أبو هريرةَ مُستخبِرٌ يطلب المعرفةَ، وضع نفسَه في محلّ المتعلِّم المتشوِّق للعلم.
- أبو رِغالٍ مُخبِرٌ، أنكرَ السّؤالَ باعتباره أمارةَ الحيرةِ المعرفيّة، ثمّ استجاب. وُضع في محلّ المعلِّم المجرِّب. واعتبر قصّتَه الذّاتيّة هي قصّة «قصّة الحكمة»: أهوَ الغرورُ؟
فارق أبو هريرةَ الشّخصيّاتِ الواقعيّةَ، فالتقى عند البحرِ شخصيّةً أسطوريّة عجيبة رمزيّة تعيشُ في عزلة بعد أن تركتِ النّاسَ (الرّعيّةَ).
    القسمُ 2: الاستجابةُ:
- انفردَ أبو رِغال في البداية بالكلام مطوَّلا لأنّه استرجعَ المراحلَ الرّئيسةَ من ماضِيه: فعلّلَ عُزوفَه عن الدّنيا واتّصالَه بالبحر وعرضَ خلاصةَ تجاربه.
- كان حاكِما (ملِكا) جائرا على قومه، يزيدُ استبدادُه بِهم كلّما زاد خضوعُهم له وامتناعُهم عن التّمرّدِ عليه.
يئسَ من صلاحِ الجماعة، فاعتنى بإصلاحِ ذاتِه الفرديّة المتوّحدة.
- يرمزُ الظّلُّ إلى الجسدِ الّذي يفرضُ سلطانَه أو إلى القلقِ الوُجوديّ الّذي يلاحِق الإنسانَ حيثما كان أو إلى الحياةِ الدّنيا مُطلقا. وضياعُ الظّلّ قطيعةٌ مع كلّ ذلك.
- البحرُ إطارٌ مكانيّ طبيعيّ واسِع منفتِح مُوحِش رهيب. هو ضديدُ الأديمِ (البَرّ أو اليابسة). هو فضاءٌ مناسِب للتّجربة العقليّة: الرّؤيةُ الممتدّة، موسيقى الموج، العزلة...
اِختلفَ أبو هريرة وأبو رِغال من حيث الحالةُ الذّهنيّة والنّفسيّة ومن حيث أسبابُ الاعتكاف ومن حيث أنواعُ التّجارب السّابقة. لكنّهما اتّفقا على اختيار البحر فضاءً (إطارا) للتّأمّل وعنصرا مُطهِّرا ورفيقا مؤنِسا.
- يرى أبو رِغال الرّوحَ مُقلِقةً تُثقِل على الإنسان وجودَه. ووجد في البحرِ بديلا عنها. ثمّ انتهَى بتجربتِه إلى تحقيق «حكمةِ الجنون»: صار يَرى ما لا يُوجد، ويعتبر العقلاءَ مجانينَ عميانَ البصر والبصيرة معا. الفعلُ، حسْبه، عبثٌ لاغٍ والانسحابُ من الحياة الدّنيا انتصارٌ عليها. صار يعيشُ «وهْمَ الفعلِ» في «وجدودٍ مجازيّ متخيَّل». ويسعَد بذلك أيّما سعادة.
    القسمُ 3: النّتيجةُ:
- اِنقلب التّواصلُ والانسجامُ بين المتحاوريْن انفصالا: اِختلفا بل تناقضا في ما يَريان ويُدرِكان. وصار كلٌّ منهما يعتبر الآخرَ مجنونا.
- كان الاضطرابُ النّفسيّ العنيف عند أبي هريرة لِخوفه من نتائج التّجربة العقليّة.
مثّل أبو رِغال صورةً لمستقبَله القريب أو البعيد. وهي صورةٌ مُرعِبة مُهينة بالنّسبة إلى كائن وُجوديّ طَموح إلى السّعادة الكلّيّة القُصوى.
- اِنتهتِ التّجربةُ بقرارٍ عقلانِيّ يرى «النّهايةَ» أهونَ من الجنون وأقلَّ منه مهانةً.
- يرمزُ القلمُ والقرطاسُ والخطوطُ والدّوائرُ والنّقطُ إلى المكتوب: كلُّ الحكمةِ الإنسانيّة المدوّنة خاويةٌ بلا معنى ولا غاية.
تجربةُ الحكمة أوْرثتْ أبا هريرة جوعا قلبيّا وعقليّا انضاف إلى جوعِ الرّوح أوّلا وجوعِ «العدَدِ» ثانيا وجوعِ الجسد ثالثا.
       التّقويم:
- لَمْ يصلْ أبو هريرة مرحلةَ الجنون الّتي أدركها، بالنّيابة عنه، أبو رِغال. ظلّ هذا «البطلُ الوُجوديّ» حاضرَ العقل حتّى يختارَ بنفسه النّهايةَ (الموتَ).
- الفشلُ الرّابعُ كان الأقسى والأمرَّ لأنّ أبا هريرة أصبح بعده حُطاما لا يستطيعُ إنشاءَ تجاربَ أخرى، وإن استطاع إنشاءَها لن يستطيعَ خوضَها: إذ لا وُجودَ ولا حياةَ لِمن ضيّع العقلَ.
- أكسبتْ تجربةُ الحكمة شخصيّةَ أبي هريرة طابعا مأساويّا: لقد كابد الفعلَ تخطيطا وإنجازا وهزيمةً، وكابدَ الألمَ جسدا ورُوحا وعقلا. فكأنّما هو يسيرُ إلى نهاية مأساويّة بعد الوجودِ العبَثِيّ سيرا حتميّا لا رادَّ له.
- سيكون موتُه «بعثا آخِرا» بعد «البعث الأوّل» الّذي هو ولادةٌ مجازيّة تحقّقتْ لَمّا بدأ أبو هريرة سلسلةَ التّجارب الوجوديّة.
اِنفتحتِ الرّوايةُ بِـ «حديث البعث الأوّل» وانغلقت بِـ «حديث البعث الآخِر». الأوّلُ يفترضُ وجودَ «ثانٍ» وربّما «ثالث» لأنّه اسمُ عدد رتبيّ يُرتّب أنواعَ البعث. و الآخرُ يفترضُ عدمَ وجود تالٍ. هو كنايةٌ عن «العدم».
بين «البعثِ» المنعوتِ و«الآخِر» النّعت: تناقضٌ دلالِيّ مفتوحٌ على التّأويل: إمّا اليأسُ التّامّ من أن يحظى الإنسانُ الوجوديّ بسعادة النّفس، وإمّا الأملُ في ابتداعِ سُبلٍ أخرى لتحقيق تلك الغاية، وإمّا أن نعتبرَ النّهايةَ غامضة كغموضِ الكائن الوجوديّ ومفتوحةً كانفتاح نفسه على التّجريب. إذْ لا دليلَ ماديّا على موت أبي هريرة ولم يرَ شاهِد جثّتَه. كأنّما استمرّ حيّا في مماته أو كان موتُه الحياةَ الحقَّ.
﴿عمـلا موفّـقا

صورةٌ ضوئيّة قابلة للتّحميل



الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

الفرض التّأليفيّ 3: مقال وتحليل (المعرّي، المسعدي، سعد الله ونّوس): 2007-2008

  
أستاذة العربيّة
الفرض التّأليفيّ3: مقال وتحليل أدبيّ
معهد نهج صيّادة
فوزيّة الشّطّي
 2007  20084 آداب
الورديّة

اِخترْ أحدَ هذه المواضيعِ الثّلاثة:
-       الموضوع 1:
«لَقَدْ تَجَاوزَ ابْنُ القَارِحِ كَوْنَهُ بَطَلَ الرِّحْلَةِ الـخَيَالِيَّةِ فِي جَنَّةِ أَبِي العَلاَءِ. إِذِ ارْتَقَى إِلَى دَرَجَةِ الرَّمْزِ القَصَصِيِّ».
تَوسَّعْ فِي تَحْلِيلِ هَذَا الرَّأْيِ مُعْتَمِدًا مَا دَرَسْتَ مِنْ 'رِسَالَةُ الغُفْرَانِ'.
-      الموضوع 2:
«لَمْ تَكُنِ التَّجَارِبُ الوُجُودِيَّةُ الَّتِي خَاضَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَلاً فَرْدِيًّا مَعْزُولاً. إِنَّـمَا هِيَ تَجْسِيدٌ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي يُلاَحِقُ سَعَادَةَ النَّفْسِ عَبْرَ تَارِيخِهِ الطَّوِيلِ الْمُتَعَثِّرِ».
حَلِّلْ هَذَا القَوْلَ مُعْتَمِدًا مَا دَرَسْتَ مِنْ رِوَايَةِ 'حَدَّثَ أَبُو هُريْرَةَ قَالَ...'. ثُمّ أَبْدِ رَأْيَكَ فِيهِ.
-      الموضوع 3:
حَلِّلِ النَّصَّ الْمُوالِيَ تَحْلِيلاً أَدَبِيًّا مُسْتَرْسِلاً مُسْتَعِينًا بِالأَسْئِلَةِ الْمُصَاحِبَةِ:
النّـصّ:
(يَرْكَعُ جَابِرٌ بِـحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ وَوَجْهُهُ إِلَى الجُمْهُورِ بِحَيْثُ تَبْدُو وَاضِحَةً كُلُّ الاِنْفِعَالاَتِ الَّتِي يُـمْكِنُ أَنْ تَعْبُرَهُ. يَأْتِي الوَزِيرُ بِكُرْسِيٍّ مُنْخَفِضٍ، وَيَـجْلِسُ خَلْفَ جَابِرٍ وَاضِعًا الدَّوَاةَ قُرْبَهُ. يَـمْسَحُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى الرَّأْسِ الَّذِي يَلْمَعُ تَحْتَ الأَضْوَاءِ. ثُمَّ يَغُطُّ رِيشَتَهُ بِالدَّوَاةِ، وَيَبْدَأُ فِي الكِتَابَةِ. عِنْدَمَا يَضَعُ الرِّيشَةَ عَلَى رَأْسِ جَابِرٍ تَتَقَلَّصُ مَلاَمِـحُهُ تَحْتَ تَأْثِيرِ الوَخْزَةِ. لَكِنَّهُ يَتَحَمَّلُ، وَتَخْفُقُ عَيْنَاهُ).
جَابرٌ(وَوَجْهُهُ يَتَقَلَّصُ) آه. لَيْتَ مَوْلاَيَ يَخْتَارُ مِنَ الكَلِمَاتِ أَلْيَنَهَا وَأَكْثَرَهَا إِيجَازًا.
الوَزيرُ: لاَ تَخَفْ، سَأُوجِزُ الكَلاَمَ مَا اسْتَطَعْتُ.
(مِنْ حِينٍ لِـحِينٍ يَتَوَقَّفُ الوَزِيرُ لَحْظَةً، يُفَكِّرُ فِيهَا بَاحِثًا عَنْ كَلِمَةٍ. ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الكِتَابَةِ).
جَابرٌ(مُتَقَلِّصًا مِنَ الأَلَمِ) هَذِهِ الكَلِمَةُ أُحِسُّهَا تَنْغَرِزُ فِي دِمَاغِي. لَيْتَ مَوْلاَيَ يَجِدُ كَلِمَةً أُخْرَى.
الوَزيرُ: اِنْتَهَيْتُ تَقْرِيبًا.
(يُنْهِي جُـمْلَتَهُ الَّتِي كَانَ يَكْتُبُهَا.. يَضَعُ الرِّيشَةَ، وَيُغْلِقُ الدَّوَاةَ. لَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ فَجْأَةً، وَيسْهَمُ مُفَكِّرًا).
جَابرٌ: بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مَوْلاَيَ مِنْ كِتَابَةِ رِسَالَتِهِ، هَلْ يَسْمَحُ لِي بِالنُّهُوضِ؟
الوَزيرُ(سَاهِـمًا) لاَ.. لاَ.. اِنْتَظِرْ قَلِيلاً.
(ثُمَّ يَنْهَضُ، وَيَذْرَعُ الدِّيوَانَ جِيئَةً وَذَهَابًا. يَتَنَاوَلُ نُشُوقًا، وَيَعْطِسُ).
الحَكواتِي: وَفَكَّرَ الوَزِيرُ. كَانَتْ هُنَاكَ حَاشِيَةٌ نَاقِصَةٌ فِيمَا يَبْدُو. وَتَرَدَّدَ، عَطَسَ وَتَرَدَّدَ. وَبَعْدَ أَنْ اجْتَازَ الدِّيوَانَ مِرَارًا فِي غُدُوٍّ وَرَوَاحٍ اِلْتَمَعَتْ عَيْنَاهُ. وَعَادَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ.
الوَزيرُ: اِنْتَظِرْ.. اِنْتَظِرْ.. جُمْلَةٌ أَخِيرَةٌ، وَنَنْتَهِي.
(يَكْتُبُ الوَزِيرُ جُمْلَةً جَدِيدَةً، وَيَنْقَبِضُ وَجْهُ جَابِرٍ بِالأَلَمِ).
الوَزيرُ(يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِهِ بِابْتِسَامَةٍ) وَالآنَ.. تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْهَضَ.

سعد اللّه وَنّوس، مُغَامَرَةُ رَأْسِ المَمْلُوكِ جَابِرٍ، دار الآداب، ط 7، 2007، بيروت، لبنان، صص 115- 116
الأسئلة:
- مَا وَظِيفَةُ الإِشَارَاتِ الرّكْحِيّةِ في هذا النَّصِّ؟
- مَا هِيَ خَصَائِصُ الحِوَارِ الثُّنَائِيِّ بَيْنَ جَابِرٍ والوَزيرِ؟
- كَيْفَ بَدَتْ عَلاَقةُ السَّاسَةِ بِالرَّعِيَّةِ؟ مَا السِّرُّ في ذلكَ؟
- أيْنَ يَتَجَلَّى مَسْرَحُ التَّسْيِيسِ فِي هذا النَّصِّ؟
- مَا مَـحَلُّ هذا النَّصِّ مِنَ الـمَسْرِحيَّةِ كَكُلٍّ؟
عمـَـــــــــــــلا مُـــــــــــوفّـقا

صورةٌ ضوئيّة قابلة للتّحميل


الاثنين، 22 أكتوبر 2012

الفرض التّأليفيّ 2: (التّحليل الأدبيّ)، محور 3: (رسالة الغفران)، 2007-2008




t أستاذة العربـيّة: فوزيّة الشّـطّي t الفرض التّأليفيّ 2: التّحليل الأدبـيّ t نهج صيّادة t

td الورديّة t 4 آداب 1 t 2007-2008 ct

الـنّـصّ:

فَإِذَا رَأَى قِلَّةَ الفَوَائِدِ لَدَيْهِمْ (1)، تَرَكَهُمْ فِي الشَّقَاءِ السَّرْمَدِ، وَعَمَدَ لِمَحَلِّهِ فِي الـجِنَانِ. فَيَلْقَى آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي الطَّرِيقِ. فَيَقُولُ: «يَا أَبَانَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، قَدْ رُوِيَ لَنَا عَنْكَ شِعْرٌ مِنْهُ قَوْلُكَ:

   نَـــحْنُ بَنُــــو الأَرْضِ وَسُكَّانُــــــهَا ttt مِنْــهَا خُـلِقْنَا وَإلَـيْـــــــــــــــهَا نَعُــــــــــودْ

   وَالسَّعْدُ لاَ يَبْقَى لِأَصْحَــــــــــــــابِهِ ttt وَالنَّحْسُ تَـمْحُوهُ لَيَالِي السُّعُودْ».

فَيَقُولُ: «إنَّ هَذَا القَوْلَ حَقٌّ. وَمَا نَطَقَهُ إِلاَّ بَعْضُ الـحُكَمَاءِ. وَلَكِنِّي لَمْ أَسْـمَعْ بِهِ حَتَّى السَّاعَةِ».

فَيَقُولُ، وَفَّرَ اللهُ قِسْمَهُ فِي الثَّوَابِ: «فَلَعَلَّكَ، يَا أَبَانَا، قُلْتَهُ ثُمَّ نَسِيتَ. فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النِّسْيَانَ مُتَسَرِّعٌ إِلَيْكَ. وَحَسْبُكَ شَهِيدًا عَلَى ذَلِكَ الآيَةُ الْمَتْلُوَّةُ فِي فُرْقَانِ (2) مُحمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا"*. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّكَ إِنَّـمَا سُـمِّيتَ إِنْسَانًا لِنِسْيَانِكَ [...]. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ مِنَ النِّسْيَانِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ** [...]».

فَيَقُولُ آدَمُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبَيْتُمْ إِلاَّ عُقُوقًا وَأَذِيَّةً! إِنَّـمَا كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ وَأَنَا فِي الـجَنَّةِ. فَلَمَّا هَبَطْتُ إِلَى الأَرْضِ نُقِلَ لِسَانِي إِلَى السُّرْيَانِيَّةِ***. فَلَمْ أَنْطِقْ بِغَيْرِهَا إِلَى أَنْ هَلَكْتُ. فَلَمَّا رَدَّنِي اللهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِلَى الـجَنَّةِ عَادَتْ عَلَيَّ العَرَبِيَّةُ. فَأَيَّ حِينٍ نَظَمْتُ هَذَا الشِّعْرَ: فِي العَاجِلَةِ أَمِ الآجِلَةِ؟ وَالَّذِي قَالَ ذَلِك يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي الدَّارِ الـمَاكِرَةِ. أَلاَ تَرَى قَوْلَهُ: "مِنْهَا خُلِقْنَا وَإِلَيْهَا نَعُودْ؟ [...].

فَيَقُولُ، قُضِيَ لَهُ بِالسَّعْدِ الـمُؤَرَّبِ (3): «إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ السِّيَرِ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ وَجَدَهُ يَعْرُبُ**** فِي مُتَقَدَّمِ الصُّحُفِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. فَنَقَلَهُ إِلَى لِسَانِهِ. وَهَذَا لاَ يَـمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ».

فَيَقُولُ آدَمُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «أَعْزِزْ (4) عَلَيَّ بِكُمْ، مَعْشَرَ أُبَيْنِيَّ (5)! إِنَّكُمْ فِي الضَّلاَلَةِ مُتَهَوِّكُونَ (6)! آلَيْتُ (7) مَا نَطَقْتُ هَذَا النَّظِيمَ وَلاَ نُطِقَ فِي عَصْرِي. وَإِنَّـمَا نَظَمَهُ بَعْضُ الفَارِغِينَ. فَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ! كَذَبْتُمْ عَلَى خَالِقِكُمْ وَرَبِّكُمْ ثُمَّ عَلَى آدَمَ أَبِيكُمْ ثُمَّ عَلَى حَوَّاءَ أُمِّكُمْ. وَكَذِبَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمَآلُكُمْ فِي ذَلِك إِلَى الأَرْضِ».

رِسَالَةُ الغُفْرَانِ، أبُو العلاء المعرّي، تحقيق الدّكتورة: عائشة عبد الرّحمان

الطّبعة 10، دار المعارف، القاهرة، 1997، صص: 360-364

الشّرح المعجميّ:

(1) هُمْ: يَعُودُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ الـجَمْعِ الـمُذَكَّرِ عَلَى أَهْلِ الـجَحِيمِ الـمَذْكُورِينَ فِيمَا سَبَقَ.

(2) الفُرقانُ: هُوَ القُرْآنُ، أَيْ ما فُرِقَ بِهِ بَيْنَ الـحَقِّ وَالبَاطِلِ.

(3) الـمُؤَرَّبُ: اِسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ "أَرَّبَ": أَيِ الـمُحْكَمُ الـمُوَثَّقُ.

(4) أَعْزِزْ: صِيغَةُ تَعَجُّبٍ: عَزَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ: أَيِ اشْتَدَّ وَصَعُبَ.

(5) أُبَيْنِيَّ: صِيغَةُ تَصْغِيرٍ لِـجَمْعِ التَّكْسِيرِ الـمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الـمُتَكَلِّمِ الـمُفْرَدِ "أَبْنَائِي".

(6) مُتَهَوِّكُونَ: اِسْمُ فَاعِلٍ: تَهَوَّكَ في الأَمْرِ: تَـحَيَّرَ وَارْتَبَكَ.

(7) آلَيْتُ: فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ مَزِيدٌ: حَلَفْتُ وَأَقْسَمْتُ.

الأعـــلام:

*الآيَةُ القُرْآنِيَّةُ 115 مِنْ سُورَةِ طَه.

**اِبْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ بْنُ عَبْدِ الـمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. وُلِدَ قَبْلَ الـهِجْرَةِ بِثَلاَثِ سَنَوَاتٍ عَلَى الأَرْجَحِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ 68ﻫ. وَمِنْ نَسْلِهِ أُسْرَةُ بَنِي العَبَّاسِ الَّتِي أَقَامَتِ الدَّوْلَةَ العَبَّاسِيَّةَ [132ه/750م-656ه/1258م].

***السُّرْيَانِيَّةِ: لُغَةٌ سَامِيَّةٌ شَرْقِيَّةٌ قَدِيـمَةٌ تَكَلَّمَهَا الـمَسِيحِيُّونَ أَسَاسًا، وَتَسَمَّوْا "السُّرْيَانَ" نِسْبَةً إِلَيْهَا.

****يَعْرُبُ: الـمُرَجَّحُ أَنَّهُ "يَعْرُبُ بْنُ قَحَطَانَ"، وَهْوَ مِنْ سَلاَطِينِ اليَمَنِ بِالـجَاهِلِيَّةِ وَجَدُّ مُلُوكِ حِـمْيَرَ.

الأسئلة الموجِّهة:

حَلِّلْ هَذَا النَّصَّ تَـحْلِيلاً أَدَبِيًّا مُسْتَرْسِلاً مُسْتَعِينًا بِالأَسْئِلَةِ التَّالِيَةِ:

- فِي أَيِّ صُورَةٍ بَدَتْ كُلٌّ مِنِ الشَّخْصِيَّتَيْنِ القَصَصِيَّتَيْنِ: ابْنِ القَارِحِ وَآدَمَ؟ لِـمَاذَا صَوَّرَهُـمَا الكَاتِبُ كَذَلِكَ؟

- مَا هِيَ خَصَائِصُ الـحِوَارِ؟ وَمَا الوَظَائِفُ الَّتِي أَدَّاهَا؟

- لِـمَ تَنوَّعَتِ الشَّوَاهِدُ (حُجَجُ الشَّاهِدِ القَوْلِيِّ) فِي النَّصِّ؟

- مَا القَضَايَا الَّتِي يُلْمِحُ إِلَيْهَا الـمَعَرِّي؟ وَكَيْفَ طَرَحَهَا فِي هَذَا النَّصِّ الرِّوَائِيِّ الفَلْسَفِيِّ؟

d عَـمـــلا مُوفَّــــــقا c

................................................