إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2013-05-10

شرح النّصّ: (بحث: تقنيةُ المسرح داخل المسرح)، 2007-2008


تقنيةُ المسرح داخل المسرح
1 -  تقنيةُ المسرح داخل المسرح عند "وليام شكسبير"  William Shakespear:
اِعتمد الشّاعرُ المسرحيُّ الإنجليزيُّ "شكسبير" [1564 – 1616] هذه التّقنيةَ في مسرحيّتِه المأساويّةِ (التّراجيديّة) "هملت" Hamlt (1) الّتي «يُرجَّح أنّها عُرِضت لأوّل مرّة عام 1601 وأنْ تكون نُشِرت لأوّل مرّة عام 1603» (2).
2 -  تقنيةُ المسرح داخل المسرح عند "لويدجي بيرندلّو"Luigi Pirandello :
لجأ المسرحيُّ الإيطاليّ "بيرندلّو" [1867 - 1936] إلى هذه التّقنية في مسرحيّتِه «ستُّ شخصيّاتٍ تبحثُ عن مُؤلِّف» Sei personaggi in cerca dautore الّتي بدأ يكتبها في أكتوبر 1920 وعُرِضت على خشبة المسرح للمرّة الأولى يوم 9 ماي 1921 (3).
3 -  تقنيةُ المسرح داخل المسرح عند "بيرتولْت برخت"  Bertolt Brecht:
حتىّ يكسر الإيهامَ بواقعيّة الأحداث اعتمد المسرحيُّ الألمانيّ "برخت" [1898 – 1956] هذه التّقنيةَ وغيرَها من التّقنياتِ المرئيّة المختلفة [كعرضِ أشرطة وثائقية] والأسلوبِ التّمثيليّ غير العاطفيّ [كأنْ يقرأ الممثّلون أدوارَهم قراءةً خالية من التّعبير عن المشاعر] واستعمالِ الممثّلين للأقنعة... فهو يعتقد أنّ «تعاطُفَ المشاهدين واندماجَهم في شخصيّاتِ المسرحيّة وأحداثِها يؤدّي إلى عدم فهمِهم رسالةَ المسرحيّة على الوجهِ الصّحيح» (4).
4 -  تقنيةُ المسرح داخل المسرح عند سعد اللّه ونّوس:
جاءتْ مسرحيّةُ «مغامرة رأس المملوك جابر» للأديب السّوريّ سعد اللّه ونّوس [1941-1997] تجسيدا لتقنية المسرح داخل المسرح. إذْ تداخلت قصّتان تشابكتْ أحداثُهما وشخصيّاتُهما وأطرُهما أحيانا وانفصمتْ أخرى. هما: قصّةُ المملوك جابر بِبغداد في عهد الخليفة "شعبان المنتصر باللّه" ووزيره "محمّد العبدلي" المنشقّ عنه المستقوي بالعدوّ الفارسيّ، وقصّةُ الحكواتي وزبائن المقهى الشّعبيّ في عصرنا الحاضر. 
خدِمتْ تقنيةُ المسرح داخلَ المسرح النّقدَ السّياسيّ الّذي بدا هدفا رئيسا عند الكاتب:
-   اختار ونّوس من التّاريخ مرحلةً بائسة مُخزِية يستقوي فيها "الرّاعي" بالأجنبيّ الغازي المتربِّص بالبلاد. فتدفع الرّعيّةُ ثمنَ خنوعها واستقالتها التّامة من عالم السّياسة، أيْ تدفع ثمنَ إجرامها في حقّ نفسِها.
-   سمحتْ هذه التّقنيةُ بتضمين التّاريخ وإدراجِه في الحاضر اليوميّ إدراجَ التّداخُلِ والتّجاذُبِ والصّراعِ. فوفّر تضمينُ التّاريخ سِياقا نقديّا: لا فرقَ إذنْ بين الماضي المُستَعادِ مسرحيّا وبين الحاضر الّذي نكتوي بِنارِه ونغصُّ بمرارة لُقَمِه ونتجرّعُ سمومه. فذاك يشِي بهذا، وهذا يستعيدُ ذاك في شكلِ مهزلة بل مأساة.
-   فضلُ هذه التّقنية أنّها تُمكّنُ الكاتبَ من استعمال مصطلحات ذاتِ وجهين: وجهٍ مرجعيّ يسميّ الأشياءَ بأسمائها الّتي كانت تُسمَّى بها، ووجهٍ رمزيّ نقديّ يسمّي الأشياءَ بالأسماء الّتي هي بها جديرةٌ. فـ "الرّعيّة" مثلا ليست تُعيِّنُ مجتمع "عصر المماليك" فحسبُ، إنمّا تُدِينُ ما نصطلح اليومَ على تسميتِه بـ "الشّعب". إنّ شعبَ ونّوس ما زال رعيّةً تسترحمُ رُعاتِها وتُقبِّل التّرابَ الّذي تدوسُه أقدامُهم وتطأطِئُ لهم الرِّقابَ الذّليلة. لم يُفارقْ شعبُنا بعدُ منزلةَ الرّعيّة الّتي تسير كالقطيعِ المدرَّب على خُطى سائِسِها كفِيفةَ البصرِ والبصيرةِ معا. هكذا سار "جابرٌ" إلى حتفه باسِما طامِعا في الجزاء واثقا من حُسن الختام.
-   تتجلّى عقلانيّةُ النّقد السّياسيّ في أنّ الكاتبَ يحاسب الجميعَ. فالكلُّ مسؤول عن جريمةِ "الخيانة العظمى" إن قليلا أو كثيرا. إذْ ما كان الوزيرُ الطّامعُ في نفوذ أوسعَ وأشدَّ "محمّد العبدلي" لِيخون بلادَه دون أن يرفَّ له جفنٌ، لو وجد شعبا واعِيا عنيدا يعترضُ سبيلَه ويحاسبُه على ما يقترفُ ويُسقِط عنه الشّرعيّةَ متى ألفاه غيرَ جدير بها. سلطانُ الأمسِ واليومَ هُوَ هُوَ لأنّ المحكومَ لم يُغادرْ مرتبةَ الرّعيّة. ولذا يتحمّل نصيبَ الأسد في المسؤوليّة عن الاجتياح الأجنبيّ المدمِّر.
-   كما تحاورَ رُكحا بغداد القديمةِ والمقهى المعاصرِ، تحاور الزّمنان المظلمان. فكأنّما أحدُهما رَجْعُ صدًى للآخر. وبدا رأسُ المملوك الانتهازيّ متعدِّدا يحتلّ مواقعَ القيادة من ملايين الجثث، بِقدر ما تجلّى الوزيرُ الخائنُ نموذجا للحاكمين بأمرهم إلى يومِ النّاس هذا. إنّها مسرحيّة تجسِّد الحكمةَ القديمة القائلة «كما تكونون يُوَلّى عليْكم» تجسيدا فنّيّا يخترقُ الأزمنةَ.
الهوامش:
1- اِكتفينا بهذه المسرحيّة لأنّنا لم نستطعْ أنْ نتأكّدَ إنْ كان شكسبير قد استعمل هذه التّقنيةَ في بعض مسرحيّاته الأخرى أمْ لا.
2- الموسوعة العربية العالميّة، ج 14، مؤسّسة أعمال الموسوعة للنّشر والتّوزيع، ط 2، 1999، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة.
3 - Introduzione di: Sei personaggi in cerca d'autore - Enrico IV, Luigi Pirandello, Oscar modadori, 2007, Italie.
4- الموسوعة العربيّة العالميّة، ج 4.      

فوزيّـة الشّـطّي ¤ تونس: 2009

2013-04-20

شرح نصّ: (الكريمُ الحرّ ليسَ له عمرُ، أبو تمّام)، محور 1: (شعرُ الحماسة)، 2007-2008





أستاذة العربـيّة
شرح نصّ: 'الكريمُ الحرّ ليس له عمرُ'
أبو تمّام، محورُ الحماسة، 4 آداب
معهد 'نهج صيّادة'
فوزيّة الشّـطّي
الورديّة2007- 2008
     الموضوع: يُؤبّن أبو تمّام محمّدا الطّوسيّ مُعدّدا خصالَه الحربيّة والأخلاقيّة.
الأقسام:
1. البداية ب2: إعلانُ الفاجعة.
2. ب3 ب17: تعديدُ المرثيّ.
3. البقيّة: الدّعاءُ للميْت.
الألفاظ:
- يَفْدَحْ: فعل ثلاثيّ مجرّد (يَفْعَلْ) جذرُه (ف.د.ح): يَثْقُلْ، يَصْعُبْ، يَعْظُمْ (سلبا).
- فَوْتٌ: مصدر (فَعْلٌ) فعلُه (فَاتَ): نَجَاةٌ، خَلاصٌ.
- حِمًى: اِسمٌ مشتقّ (فِعْلٌ) جذرُه (ح.م.ي): حَامٍ، مُدافِعٌ.
الشّـرح:
1. إعلانُ الفاجعة:
- صوّر الشّاعرُ موتَ الطّوسيّ حدثا عظيما كريها وفاجعةً عامّة تستدعي البكاءَ الجماعيّ المرّ.
- شُخِّصت الآمالُ لكوْنها كنايةً عن الميْت الّذي كان يُجسّدُ الأملَ في النّصر والأمان وحفظ العِرض.
في تضخيم الفاجعة تعظيمٌ للميتِ وتهويلٌ للفقْد.
2. تعديدُ المرثيّ:
- أُسنِدتْ للميْت صفةُ الفتوّة، وهي صفةٌ مدحيّة وفخريّة ورثائيّة احتفى بها الشّعرُ العربيّ منذ الجاهليّة لكونِها جِماعَ خصال الجود والشّجاعة والعِفّة والحِلْم...
- اِعتبر الرّاثي موتَ الطّوسيّ في ساحة الوغى مُدافعا عن صحبِه نصرا أخلاقيّا حقيقيّا حتّى وإن كان هزيمةً حربيّة قاسية.
- اِستحضر أبو تمّام رفْضَ المرثيّ النّجاةَ بنفسه وسعيَه إلى نُصرة رفاقه المحاصَرين رغم يقينِه بأنّ الموتَ مُدرِكُه لا محالةَ. فالخشيةُ من سوء الذّكر وعار الهرب دفعتِ المرثيَّ إلى الإقدام على موتٍ محقّق شنيع. وكذا يكون الفارسُ والقائدُ العسكريّ. 
- يُقرّ الرّاثي بأنّ مرثِـيَّه انتهى شهيدا خَلِيدا في الجنّة دفاعا عن الدّين و"الأمّة" وانتصارا لأخلاق الحرب.
- لأنّ المرثيَّ كان مقاتلا فارسا، فقد انتهتْ بموته المعاركُ الحقُّ.
- بُرّئ القتيلُ من المسؤوليّة على هزيمة جيشه، وأُسنِدت هذه الهزيمةُ النّكراءُ إسنادا مجازيّا إلى الحربِ باعتبارها حدثا وإلى الخيل والسّيف باعتبارهما أداتَيْ ذاك الحدث.
3. الدّعاءُ للميْت:
- دعا أبو تمّام لمرثيّه بالسّقي في لحده الموحش.
- يرى الشّاعرُ أنّ ما نال الطّوسيّ من موت شريف وما تحلّى به من كريمِ الخلُق يجعله من صنف الخالدين في التّاريخ ذِكرا وشعرا.
التّقـويم:
- يؤدّي التّرديدُ وظيفةً دلاليّة، فيؤكّد الصّفةَ أو الحدثَ. ويؤدّي أيضا وظيفةً إيقاعيّة، فيساهم في تقوية الإيقاع العروضيّ الخارجيّ بتنويع الإيقاع الدّاخليّ. وفي المرثيّات يخدمُ التّرديدُ، إضافةً إلى ما سبق، معانيَ التّفجّع والنّدْب واستدرار الدّمع...
- وظّف الرّاثي المعجمَ الدّينيّ ليشبّهَ تشبيها مباشرا عارَ الهرب بالكفر وليشبّهَ تشبيها ضمنيّا الثّباتَ في حرب خاسرة بالإيمان. بذا أضفى على السّلوك الحربيّ لفقيده ضربا من القداسة.
- تمثّلتِ الحماسةُ هنا في الجرأة على القتال وفي نَجدة الإخوان المأزومين وفي الصّبر على آلام الموت وفي طلب الشّهادة طلبا قصديّا واعيا.
- الدّعاءُ بالسّقي للميْت تقليدٌ شعريّ عربيّ قديمٌ، قد يكون لقسوة المناخ الصّحراويّ الجافّ دورٌ في جعلِه لازمةً في المراثي. كأنّما ندعُو للفقيد بأنْ يرتويَ من عذْبِ المياه تعويضا له عن جفافِ الحياة الدّنيا وحرِّها الحارِق.
عمــلا موفّـــقا

2013-01-08

شرح نصّ: (بحث: 'رأس المملوك جابر'، ونّوس)، محور 4: (المسرحيّة)، 2007-2008




معهد "نهج صيّادة"
بحثإعداد التّلميذة: حنان القطوفي (4 آداب)
علاقةُ المواطِن بالسّلطةِ في 'مغامرةُ رأسِ المملوكِ جابرٍلسعد اللّه ونّوس. مراجعة الأستاذة: فوزيّة الشّطّي.
معهد نهج صيّادة: الورديّة: 2007/2008

-    ينشأ الصّراعُ في هذه المسرحيّة بين آخرِ الخلفاء العبّاسيّين [شعبان] وبين وزيرِ بغداد [محمّد العلقميّ]. فالخليفة يريدُ إزاحةَ الوزير لأنّه يشكّلُ خطرا على وُجوده، والوزيرُ يطمحُ إلى تحقيق حلمِه بالاستيلاء على الخلافة. وكلّ واحد منهما يُعِدّ العدّةَ لإزاحة صاحبه - خصمِه. فيأمرُ الخليفةُ بتفتيش الخارجِ من بغداد والدّاخلِ إليها خوفا من خروجِ رسالة من الوزير إلى قائدِ المغُول. ويتطوّعُ المملوكُ [جابر] ليُوصِل الرّسالةَ مكتوبةً على رأسه. أمّا ثمنُ أدائه هذه الخدمةَ فأنْ ينالَ حُرّيّتَه ويتزوّج "زمرّدة" ويتمتّع بالعطايا. لكنّ الوزيرَ يطلبُ من ملكِ المغولِ أن يقتلَ الرّسولَ المخدوعَ. فيفعلُ بلا تردّد.
-    الخليفةُ والوزيرُ:
هما شخصيّتان مُتسلّطتان تنفردان بالحكمِ وتضطهِدان الرّعيّةَ بسببه. تصارَع الخليفةُ والوزيرُ على النّفوذ حتّى ضيّعا البلادَ والعِبادَ، الوطنَ والشّعبَ.
-     منصور:
يُمثّل المواطِنَ "نصفَ الواعِي"، فهو كثيرُ القلق والانشغال قليلُ الفعلِ. لكنّه أعزلُ [بلا إمكانيّات] ومعزولٌ [وحيد لا مُناصِر له].
-   الزّبونُ الرّابعُ:
شخصيّةٌ مُتمّمة لمنصور. هو رجلٌ واعٍ سياسيّا واجتماعيّا وفكريّا. لذلك توقّع المصيرَ المأساويّ الّذي ناله"جابرٌ" عن جدارة واستحقاق.
   المملوكُ جابر:
شخصيّةٌ انتهازيّة توظّف ذكاءَها في تحقيقِ المصالحِ الشّخصيّة ولو على حسابِ المصلحةِ الجماعيّة ومصيرِ الوطنِ. لكنّه يدفع غاليا جدّا ثمنَ انتهازيّته.
    يؤكّد "ونّوس" في المسرحيّة أهـمّيّةَ دور الجماعةِ في العمل السّياسيّ. إذ لا جدوَى من العملِ الفرديّ كمطلبٍ للخلاص. فالسّلطةُ تستغلّ الإنسانَ غيرَ المسيّس وتسحقُه كما فعلتْ بجابرٍ الّذي أرادَ أن يتحرّر عن طريق الخيانة. فكان الجزاءُ - العادلُ- أن ضيّع رأسَه.
    مسرحُ التّسيِيس لا يَهتمّ بالشّخوصِ باعتبارها أفرادا أو أنماطا فحسبُ. وإنّما يُشبِعها بالقدرة على التّرميز. فـ "جابرٌ" مثلا رمزٌ للفئات المضطهَدة غيرِ القادرة على المطالبة بحقوقها، مع أنّها تفكّر بها سرّا. هي فئاتٌ مُستعدّة لفعلِ كلّ عملٍ شائِن في سبيل تحقيقِ طموحِها الذّاتي، لا رادعَ أخلاقيّا يردعُها. إنّ خيبةَ جابرٍ هي إدانةٌ للفرديّة الانتهازيّة وليستْ إحباطا لطموحات الجماعة.
    يريدُ مسرحُ التّسيِيس أن يخلقَ وعيا جماهيريّا عن طريقِ التّعليمِ والتّحريض والدّعوة إلى إعمال الذّهن فيما يُرَى ويُسمَع.
-   الرّعيّةُ [الشّعبُ]:
تُعاني الرّعيّةُ جبروتَ السّاسة على اختلاف مواقعِهم ونفوذِهم. لكنّ "ونّوس" يرى أنّ الشّعبَ هو الّذي بيدِه كلّ شيء. ففي المشهد الختاميّ يتصدّى الشّعبُ [المجموعةُوحدَه لجندِ الأعداء. هذا لأنّ العملَ السّياسيّ الجماعيّ، حسْب الكاتب، هو السّبيلُ الوحيد للخلاص من جنُونِ السّاسة.
    كسر "ونّوس" الحاجزَ بين رُكحِ الحكاية [الوضع السّياسيّ للخلافة العباّسيّةوبين رُكحِ المقهَى [وضْع الزّبائن المشابه للوضع القديم المستَدعَى من التّاريخ]. أدّى ذلك إلى كسرِ الحواجز بين الزّمنيْن: الماضي التّاريخيّ والحاضرِ راهنِ الكاتب. ومثّل تبادُلُ الآراءِ والتّعليقات بين مختلف الشّخصيّات دليلا على التّفاعلِ النّقديّ من ناحية وعلى رغبةِ المؤلِّف في التّفرّج على الزّمنيْن معا وإدانةِ تواصُل نفس الأحوال الفاسدة. فكأنّ الزّمنَ لم يتقدّمْ أو هو يدور في حلقة مُفرَغة. وكان "الحكواتي" [وهو شخصيّةٌ تراثيّة وشكلٌ من أشكال التّفرّج الحكائيّ العربيّ] أداةَ الوصْل بين الزّمنيْن وبين المكانيْن وبين صِنفيْ الشّخصيّات.

{ عمـلا مُوفّـقا }

2012-12-05

شرح نصّ: (الحكمةُ الاعتدال) محمود المسعدي: 2007-2008



معهد "نهج صيّادة"
شرح نصّ: الحكمة الاعتدال، محمود المسعدي
أستاذة العربـيّة
الورديّة
4 آداب2007 - 2008
فوزيّة الشّـطّي
          الموضوع: 
يخوض أبو هريْرةَ بشكل غير مباشر تجربةَ العقل خوضا فاشلا.
       الأقسام:
1-              من البداية إلى «قاصُّها عليك»: الطّلبُ.
2-              من «جئتُ هذا» إلى «أنتَ مجنون»: الاستجابةُ.
3-              البقيّة: النّتيجةُ.
الشّرحُ:
    القسمُ 1: الطّلبُ:
- أبو هريرةَ مُستخبِرٌ يطلب المعرفةَ، وضع نفسَه في محلّ المتعلِّم المتشوِّق للعلم.
- أبو رِغالٍ مُخبِرٌ، أنكرَ السّؤالَ باعتباره أمارةَ الحيرةِ المعرفيّة، ثمّ استجاب. وُضع في محلّ المعلِّم المجرِّب. واعتبر قصّتَه الذّاتيّة هي قصّة «قصّة الحكمة»: أهوَ الغرورُ؟
فارق أبو هريرةَ الشّخصيّاتِ الواقعيّةَ، فالتقى عند البحرِ شخصيّةً أسطوريّة عجيبة رمزيّة تعيشُ في عزلة بعد أن تركتِ النّاسَ (الرّعيّةَ).
    القسمُ 2: الاستجابةُ:
- انفردَ أبو رِغال في البداية بالكلام مطوَّلا لأنّه استرجعَ المراحلَ الرّئيسةَ من ماضِيه: فعلّلَ عُزوفَه عن الدّنيا واتّصالَه بالبحر وعرضَ خلاصةَ تجاربه.
- كان حاكِما (ملِكا) جائرا على قومه، يزيدُ استبدادُه بِهم كلّما زاد خضوعُهم له وامتناعُهم عن التّمرّدِ عليه.
يئسَ من صلاحِ الجماعة، فاعتنى بإصلاحِ ذاتِه الفرديّة المتوّحدة.
- يرمزُ الظّلُّ إلى الجسدِ الّذي يفرضُ سلطانَه أو إلى القلقِ الوُجوديّ الّذي يلاحِق الإنسانَ حيثما كان أو إلى الحياةِ الدّنيا مُطلقا. وضياعُ الظّلّ قطيعةٌ مع كلّ ذلك.
- البحرُ إطارٌ مكانيّ طبيعيّ واسِع منفتِح مُوحِش رهيب. هو ضديدُ الأديمِ (البَرّ أو اليابسة). هو فضاءٌ مناسِب للتّجربة العقليّة: الرّؤيةُ الممتدّة، موسيقى الموج، العزلة...
اِختلفَ أبو هريرة وأبو رِغال من حيث الحالةُ الذّهنيّة والنّفسيّة ومن حيث أسبابُ الاعتكاف ومن حيث أنواعُ التّجارب السّابقة. لكنّهما اتّفقا على اختيار البحر فضاءً (إطارا) للتّأمّل وعنصرا مُطهِّرا ورفيقا مؤنِسا.
- يرى أبو رِغال الرّوحَ مُقلِقةً تُثقِل على الإنسان وجودَه. ووجد في البحرِ بديلا عنها. ثمّ انتهَى بتجربتِه إلى تحقيق «حكمةِ الجنون»: صار يَرى ما لا يُوجد، ويعتبر العقلاءَ مجانينَ عميانَ البصر والبصيرة معا. الفعلُ، حسْبه، عبثٌ لاغٍ والانسحابُ من الحياة الدّنيا انتصارٌ عليها. صار يعيشُ «وهْمَ الفعلِ» في «وجدودٍ مجازيّ متخيَّل». ويسعَد بذلك أيّما سعادة.
    القسمُ 3: النّتيجةُ:
- اِنقلب التّواصلُ والانسجامُ بين المتحاوريْن انفصالا: اِختلفا بل تناقضا في ما يَريان ويُدرِكان. وصار كلٌّ منهما يعتبر الآخرَ مجنونا.
- كان الاضطرابُ النّفسيّ العنيف عند أبي هريرة لِخوفه من نتائج التّجربة العقليّة.
مثّل أبو رِغال صورةً لمستقبَله القريب أو البعيد. وهي صورةٌ مُرعِبة مُهينة بالنّسبة إلى كائن وُجوديّ طَموح إلى السّعادة الكلّيّة القُصوى.
- اِنتهتِ التّجربةُ بقرارٍ عقلانِيّ يرى «النّهايةَ» أهونَ من الجنون وأقلَّ منه مهانةً.
- يرمزُ القلمُ والقرطاسُ والخطوطُ والدّوائرُ والنّقطُ إلى المكتوب: كلُّ الحكمةِ الإنسانيّة المدوّنة خاويةٌ بلا معنى ولا غاية.
تجربةُ الحكمة أوْرثتْ أبا هريرة جوعا قلبيّا وعقليّا انضاف إلى جوعِ الرّوح أوّلا وجوعِ «العدَدِ» ثانيا وجوعِ الجسد ثالثا.
       التّقويم:
- لَمْ يصلْ أبو هريرة مرحلةَ الجنون الّتي أدركها، بالنّيابة عنه، أبو رِغال. ظلّ هذا «البطلُ الوُجوديّ» حاضرَ العقل حتّى يختارَ بنفسه النّهايةَ (الموتَ).
- الفشلُ الرّابعُ كان الأقسى والأمرَّ لأنّ أبا هريرة أصبح بعده حُطاما لا يستطيعُ إنشاءَ تجاربَ أخرى، وإن استطاع إنشاءَها لن يستطيعَ خوضَها: إذ لا وُجودَ ولا حياةَ لِمن ضيّع العقلَ.
- أكسبتْ تجربةُ الحكمة شخصيّةَ أبي هريرة طابعا مأساويّا: لقد كابد الفعلَ تخطيطا وإنجازا وهزيمةً، وكابدَ الألمَ جسدا ورُوحا وعقلا. فكأنّما هو يسيرُ إلى نهاية مأساويّة بعد الوجودِ العبَثِيّ سيرا حتميّا لا رادَّ له.
- سيكون موتُه «بعثا آخِرا» بعد «البعث الأوّل» الّذي هو ولادةٌ مجازيّة تحقّقتْ لَمّا بدأ أبو هريرة سلسلةَ التّجارب الوجوديّة.
اِنفتحتِ الرّوايةُ بِـ «حديث البعث الأوّل» وانغلقت بِـ «حديث البعث الآخِر». الأوّلُ يفترضُ وجودَ «ثانٍ» وربّما «ثالث» لأنّه اسمُ عدد رتبيّ يُرتّب أنواعَ البعث. و الآخرُ يفترضُ عدمَ وجود تالٍ. هو كنايةٌ عن «العدم».
بين «البعثِ» المنعوتِ و«الآخِر» النّعت: تناقضٌ دلالِيّ مفتوحٌ على التّأويل: إمّا اليأسُ التّامّ من أن يحظى الإنسانُ الوجوديّ بسعادة النّفس، وإمّا الأملُ في ابتداعِ سُبلٍ أخرى لتحقيق تلك الغاية، وإمّا أن نعتبرَ النّهايةَ غامضة كغموضِ الكائن الوجوديّ ومفتوحةً كانفتاح نفسه على التّجريب. إذْ لا دليلَ ماديّا على موت أبي هريرة ولم يرَ شاهِد جثّتَه. كأنّما استمرّ حيّا في مماته أو كان موتُه الحياةَ الحقَّ.
﴿عمـلا موفّـقا